الطبراني
131
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
الشَّيْطانُ ) أي كونوا على حذر من ذلك ، فإنه عدوّ لكم . وهذا اللفظ أبلغ من أن تقول : لا تقبلوا فتنة الشيطان . قوله تعالى : إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ؛ أي إنّ الشيطان ونسله يرونكم وأنتم لا ترونهم ، وإنّما قال هكذا ؛ لأنّا إذا لم نراهم لم نعرف قصدهم بالكيد والإغواء حتى نكون على حذر في نجدة نفوسنا من وساوسه . وفي هذا بيان أنّ أحدا من البشر لا يرى الجنّ ، بخلاف ما يقول بعضهم : إنّ منّا من يراهم . وإنّما لا يراهم البشر ؛ لأنّهم أجسام رقيقة تحتاج في رؤيتك إلى أفضل شعاع ، واللّه تعالى لم يعطنا من الشّعاع قدر ما يمكننا أن نراهم ، وأمّا هم فإنّهم يروننا ؛ لأنّهم يرى بعضهم بعضا مع أنّهم أجسام رقيقة ، فلأن يرونا ونحن أجسام كثيفة أولى . وذهب بعض الناس إلى أنه يجوز أن يراهم البشر ، بأن يكشفوا أجسامهم ، وقال : وهم ممكّنون من ذلك . وقيل : إنّ هذا لا يصلح ؛ لأنه لو أمكنهم أن يكشفوا أجسام أنفسهم أمكنهم أن يكشفوا أجسام غيرهم . وقال مالك بن دينار : ( إنّ عدوّا يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلّا من عصم اللّه ) « 1 » . وقيل : هو زيّن لآدم فسكن له ، ويجري من ابن آدم مجرى الدّم ، وأنت لا تقاومه إلا بعون اللّه ، والشيطان يراك وأنت لا تراه ، وهو لا ينساك وأنت تنساه . وفيه يقول بعضهم : ولا أراه حيثما يراني * وعندما أنساه لا ينساني فيبدي إن لم يكن سباني * كما سبى آدم من جنان وقال ذو النّون : ( إن هو يراك من حيث لا تراه ، فإنّ اللّه يراه من حيث لا يرى اللّه ، فاستعن باللّه عليه ، فإنّ كيد الشّيطان كان ضعيفا ) . قوله تعالى : إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ( 27 ) ؛ أي جعلناهم قرناء للذين لا يؤمنون باللّه .
--> ( 1 ) ذكره البغوي في معالم التنزيل : ص 460 .